عبق دربند
دربند… مدينة التاريخ والعنب.. وبوابة الإسلام إلى القوقاز
لا جرم أن تقف مبهوراً في هذا المكان من العالم، فالمشهد مهيب! وعبق التاريخ يفوح في كل زاوية من زواياه...
أنت هنا على الحافة الغربية لبحر قزوين حيث ترقد مدينة دربند ثاني أكبر مدن "داغستان" إحدى جمهوريات الحكم الذاتي ضمن الاتحاد الروسي، لتشكل الممر الفاصل بين البحر وسلسلة جبال القوقاز بمسافة لا تزيد عن ثلاثة كيلو مترات فقط.
جولة قصيرة في أنحاء المدينة كفيلة بأن تظهر لك أنك في مكان ليس كغيره، وأن هذه المدينة ليست مجرد مدينة عادية، ستسحرك تفاصيل الجمال الراسخة بين جنباتها، طبيعتها… أبنيتها... شوارعها... أزقتها، الكتابات باللغتين العربية والفارسية المنتشرة على محلاتها ودكاكينها، المآذن المشرئبة في أنحائها، وكروم العنب التي تحيط بها من كل جانب، كلها تفاصيل تلفت الأنظار على نحو غير اعتيادي!
ولعل عينك لن تخطئ قلعتها الشامخة المشرفة على باقي أحيائها من علٍ، والتي تستقبل بحر قزوين وكأنها مارد يحرس زرقة مياهه المتلألئة عبر الزمن، إنها قلعة نارين بحجارتها الصفراء وأسوارها السميكة والممتدة لنحو أربعين كيلو متراً والتي كانت وما تزال شاهدة على قصص ووقائع تاريخية غيرت مسار التاريخ في معظم حواضر شمال القوقاز عبر القرون.
بسليقة المسلم يقودك قلبك قبل أن تقودك خطواتك نحو القسم القديم من مركز المدينة، هناك حيث تنتصب مئذنة مسجد الجمعة شامخة كما لو كانت منارة للقلوب تهتدي بها وسط طوفان العمران الطاغي، هذا المسجد الذي تقول الوثائق التاريخية إنه ليس واحداً من أقدم مساجد داغستان فحسب وإنّما هو واحد من أقدم مساجد العالم إذ يعود تاريخ بنائه إلى العام 133ه، وهو أول مسجد بني في روسيا ومنه انتشر عبق الإسلام نحو بلاد القوقاز وإلى عموم روسيا أيضاً، وما تزال صلوات الجماعة تقام فيه منذ ذلك الوقت رغم عاديات الزمان، الطبيعية منها وتلك التي كانت من صنع البشر… ولا يزال هذا المسجد يبهر زواره بعمارته وهيبته وعمقه التاريخي...
تقترب منه ليتبدّى لك شيئاً فشيئاً على شكل بناء مستطيل هو آخر ما جرى عليه من ترميمات وتوسعات، وتبرز فوق الجانب الشمالي منه قبة ضخمة يبلغ قطرها 9.3 متراً، وله أربعة مداخل نقشت على أبوابها آيات من القرآن الكريم.
تتجول في أرجائه لتكتشف أنه ليس مسجداً فحسب وإنما يضم مجمعه العمراني أيضاً مدرسة دينيَّة ومقراً للأئمة على شكل أبنية متناغمة في طرازها المعماري مع طراز دربند القديم، فهناك على مقربة منها نقع قلعة نارين ومنشآت أخرى يعود تاريخها إلى القرون الوسطى، ولعلك تنهي جولتك بالجلوس في باحة المسجد مستظلاً بأشجار صمدت هي الأخرى كما صمدت حجارة وجدران المسجد ضاربة جذورها في ذلك المكان لأكثر من 500 عام.
وغير بعيد ستجد مقبرة الصحابة الأربعين الذين استشهدوا خلال الفتوحات أو أثناء جهودهم لنشر تعاليم الإسلام، تمر بالقبور فتلقي السلام على أرواح أفنت أجسادها في سبيل الدعوة إلى الله عز وجل ونشر دينه، تقرأ الفاتحة بخشوع وتتابع طريقك وربما يراودك سؤال ملحٌّ، ماذا لو أن هؤلاء الدعاة والمجاهدين لم يصلوا إلى هنا؟ يرتفع الأذان فتكبر الله وتحمد الله أنهم وصلوا ودعوا إلى الله حتى بات الإسلام يظلل هذه البقعة التي لا تشبه غيرها من العالم.