أقرأ .. تلك الكلمة
صدحت الكلمة في أذنيه، ثم تردَّد في فضاء الغار صداها.. هي كلمة أولى، لكن لا حدود لمنتهاها.. فتلفتت عيناه تبتدر الجهات نحو اليمين وإلى الشمال، تبحث عمن أتاه ولم يحس به.. بنأمة منه قبل الوصول؛ فلا هسهسة للخطى فوق الركام تسربت إلى مسامعه، ولا أزيزٌ لأنفاس اللهاث على الطريق إلى الذرى.
وتفاجأت عيناه بالنور في ثوب البياض.. ثوب لم تكدره المسافة والقيظ والأنقاض في عرض الطريق، وكان كأنَّما النور في سمت الرجال واقفاً في فضاء الغار ما يزال ينتظر الجواب، فأتى الجواب في ملامح نفي، وربَّما ارتدت العبارة أثواب السؤال:
- ما أنا بقارئ.
فأخذ يضمُّه إلى صدره ضمَّة شديدة حتى أرهقه، ولمَّا تركه صارت الكلمة اثنتين:
- اقرأ
وكذا العبارة صارت جملتين:
- ما أنا بقارئ.
فغطَّه إلى صدره مرة أخرى فأرهقته كذلك، ولما أفلته، قال له:
- اقرأ
فكان الرد كما من قبل كان:
- ما أنا بقارئ.
فغطَّه إلى صدره مرة ثالثة غطَّةً لم تكن بأقل شدة من سابقتيها، فأنهكت الرسول كما فعلت سابقتاها وأردف:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ ٱلإِنسَٰنَ مِن عَلَقٍ(2) ٱقرَأ وَرَبُّكَ ٱلأَكرَمُ(3) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلقَلَمِ(4) عَلَّمَ ٱلإِنسَٰنَ مَا لَم يَعلَم(5)﴾. [سورة العلق:1-5]
صحا سيِّدُ الخلق من نومه، وقد عرف أنَّ ثمَّة أمراً أصطفاه به ربُّه، اصطفى به رجلاً من قريش، وُلِدَ لأب فارق الحياة قبل أشهر من ولادته، فنشأ يتيماً متنقلاً من بيت إلى آخر، من حضن أمه الذي لم يشبع منه حتى فارقه إلى جده، ولم يستقر به المقام عند جدِّه حتى اضطرَّ إلى الانتقال إلى دار عمِّه بوفاة جدِّه، قبل أن يقف على رجليه..
وما إن أكمل عقده الرابع حتى عُرف إضافة إلى ما عُرف به من قبل، عرف بالبصيرة الثاقبة؛ فلم تخطئه الرؤيا قط، فما يراه في منامه لا يلبث أن يتحقق في نهاره فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح..
كان يعرف أن الله اصطفاه لأمر عظيم، وكان الجميع جميع أهل مكة يعرفون ذلك، فقد شهد ولادته من ما يزال حياً، وخبر صفاته وحكمته قريشٌ وما حولها، بل وأبعد مما حولها ممن ربطته بهم تجارة عابرة، لكن المعرفة وحدها لا تكفي أحياناً؛ فكثيراً ما تكون الحقيقة واضحة مثل ضوء الشمس، بل من شدة وضوحها تأبى العيون.. بعض العيون النظر إليها.
قادته الرؤيا إلى غار حراء مختلياً بنفسه عن الناس، فكان يتحنث بضع ليال، ثم يعود الى بيته، يتحنث وحده في غار اختاره لنفسه في شمال شرق مكة.. غار على شكل فتحة في جبل تشبه قمته سنام الجمل، وقد أمنت له قمَّتُه التي ترتفع ستمائة وأربعة وعشرين متراً، الابتعادَ عن الناس وضوضائهم، فتمتَّع في خلواته بصفاء النفس، والتَّفكُّر والبُعد حِساً ومعنى عما عليه قُريش من الرذائل..
فقد كانت قريش تعبد الله، ولكنها تتخذ الأصنام شفعاء لها، لكنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم- لم يكن يتخذ مثلما يتخذون صنماً، فقد أبى قلبه المستنير بنور الهداية أن يأتي ما يأتون فـمَا اسْتَلَمَ صَنَمًا حَتَّى أَكْرَمَهُ بِالَّذِي أَكْرَمَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، ولم يكن يخوض مع الخائضين..
كان يخلو في غار حراء إذ يتزوَّد من أهله بالماء والطعام فإذا ما نفد ما عنده بعد ليال معدودة عاد إلى أهله، قبل أن يعيد الكرة ثانية.. وثالثة.. وعاشرة.. وقد ألْفَتْ زوجته خديجة منه ذلك، إذ استمرَّ على هذه الحال سنيناً..
وذات خلوة بينما كان يتفكر في الكون وخالقه إذا غفا فجاءته الرؤيا برجل واقف بين يديه، يقول له: اقرأ..
الكاتب : حسام السفان