الهجرات التي شكلت شعب بانثاي
تُرى هل يُدرك الناظر في أعينهم مدى عمق التاريخ الذي تحمله ملامحهم؟ هل من لمحة لجدٍّ عربي أو رائحة بخور أو حتى بعض الحنين إلى رمال الصحراء؟ ترى أي هجرة من الهجرات يذكرها أبناء بانثاي اليوم؟ تلك التي كان على أجدادهم خوضها من منطقة إلى أخرى ليظلوا صامدين بدينهم؟
هذه هي قصة الهجرات التي شكلت شعب البانثاي .
هذه الإبل العربية تغرس أخفافها في الرمال بخطىً ثابتة نحو رحلة سنَّها هاشم بن عبد مناف جدُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عانت مكة من الجوع فكانت بمثابة المنقذ لهم، إنها رحلة الشتاء والصيف، طريق تجارة مركزه مكة، يتجه شتاء نحو اليمن ودفئها، وصيفًا إلى بلاد الشام حيث النسمات العليلة والهواء البارد، وهنا بالتحديد- في بلاد الشام- تتقاطع الدروب وطرق التجارة، تُخلق احتمالات جديدة بين شعوب المنطقة، وبينما يسطع نور دين الإسلام ويعلو صوته تفتح له بوابة أخرى في أقصى الشرق، وكأنما هو طريق جديد يصل بين مكة والصين، فكيف حدث ذلك يا ترى؟
هؤلاء الرجال -على عكس قوافل العرب المحملة بالتوابل والعطور- كانوا يحملون في أمتعتهم أقمشة خاصة مصنوعة من الحرير، إنه بالفعل طريق الحرير الذي يمتد من بلاد الصين شرقًا إلى بلاد الشام غربًا، وفي الشام يلتقي طريق الحرير بقوافل العرب، ومن ثم تعود ذات القوافل إلى الصين شرقًا.. هذه المرة يرافقهم التجار المسلمون الذين قرروا أن يسلكوا طريق الحرير لأول مرة، يواصلون المسير حتى تستقر رحالهم في منطقة (نينغشيا) الصينية، حيث يعيش شعب الهوي أو (خوي) اليوم.
أطلق قوم الهوي الصينيون على المسلمين الأوائل الذين قدِموا إلى (نينغشيا) لقب ضيوف الهوي، أو أبناء الهوي، يعكس هذا الإسم مدى الأُلفة التي وجدوها في قلوبهم لهم، فقد صار المسلمون جزءًا من نسيجهم الاجتماعي، وصار الإسلام هو ديانة أبناء شعب الهوي الذين ظلّوا منذ ذلك العهد مخلصين له مهما واجهوا من محاولات قمع أو تغيير في الديانة.
لكن هذه الهجرات الممتدة لم تنتهِ بعد، فما زال هناك طريق جديد يجب أن يُخطى، هذه المرة هربًا من الحرب، إذ كان الاحتلال الياباني لبعض مناطق الصين سببًا في مغادرة كثير من الهوي مناطقهم الأصلية إلى مقاطعة (يونان) الصينية، رغم ذلك ظل الهوي هناك متمسكين بثقافتهم وتميزهم، وبالطبع، إسلامهم، إلا أنّ خلافات نشبت بين الهوي والحكومة الصينية آنذاك في منطقة (يونان) أدّت إلى هجرة آخرين إلى أرض جديدة.. كانت هذه الأرض هي بورما.
في بورما يُطلق اسم (بانثاي) على مسلمي الصين من الهوي الذين هاجروا إليها قادمين من (يونان) الصينية، تُرى هل يُدرك الناظر في أعينهم مدى عمق التاريخ الذي يحمله شعب بانثاي في بورما؟ هل من لمحة لجدٍّ عربي أو رائحة بخور أو حتى بعض الحنين إلى رمال الصحراء؟ وهل يذكر أبناء بانثاي اليوم تلك الهجرات التي كان على أجدادهم خوضها من منطقة إلى أخرى؟
اليوم يسكن أغلب مسلمي الهوي في المناطق المتاخمة لبورما بالصين، وكأنما يحنّون إلى إخوتهم (البانثاي) هناك، ولربما تجد الحدود الجغرافية طريقتها في الفصل بين أبناء الشعب الواحد، لكن تبقى الدماء التي تجري في العروق هي من يتخطى كل تلك الحدود لتُذكّر الجميع بأصلهم المشترك.
علا الهادي
المصادر :
- الأقليات المسلمة في العالم ـ الجزيرة نت
- الرابطة الصينية الإسلامية الوطنية للإنقاذ أقلية الهوي - مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية
- تعرف على مسلمي خوي الصينيين، أبناء "مكة الصغرى"، المهددين بفقدان هويتهم- BBC عربي