(إيبو) كابوس سعيد .. وجبروت فأسكو دي جاما
كانت درة على فم المحيط ، أنيقة يرتادها الناس من أنحاء الدنيا، وكان الإسلام حاضرًا فيها، والعرب يمسكون بتفاصيلها.. ثم باتت خرابًا، ونسيها العالم..
هذه القصة لرجل عربي كان أحد التجار في (إيبو) تلك التي تقع اليوم في موزمبيق..
كان سعيد يراقب الشاطئ والزوارق وهي تنجذب نحو البواخر في مشهد قديم متجدد، وثمة إحساس يراوده منذ الصباح بأن الأيام الآتية لن تكون كالماضية، لذا فقد كان شارد الذهن في مجلسه على غير عادته..
لم تكن ليلته الفائتة عادية قط، على الرغم من أن كل ما فيها كان عاديًّا؛ فالأمواج التي تعانق الشاطئ تحبل بالزوارق التي تتوافد لتتقاسم الثراء الذي يفد على الجزيرة على أنغام عربية عبر بواخر تمنعها ضحالة المياه من الاقتراب أكثر مما تفعل، فقد جعل التجار العرب من «إيبو» الواقعة فى موزمبيق، ميناءً مركزيًّا حقق أهلها من ورائه ثراء فاحشًا انعكس عليهم وعلى الجزيرة وسكانها..
فما إن تبصر الزوارق المحلية البواخر العربية قادمة حتى تسارع إليها كأطفال يهرعون إلى آبائهم كي يمنحوهم العطايا، فأهل إيبو اعتادوا على كرم العرب وسماحتهم، فأحبهم الأهالي وأحبوهم وسارعوا إلى العمل معهم، إلى احتضان حمولات بواخرهم التي تغدو محملة بالعاج والمنسوجات، وتؤوب مترعة بكل ما يخطر بالبال من عجائب الصناعات وغرائبها وجمالها؛ ولثراء تجار (إيبو) حتى أسقف بيوتهم استقدموها من مرسيليا...
كان سعيد يراقب ذلك كله بيد أنه لم يكن كما اعتاد عليه أصحابه أن يكون، إذ كان وجوده يملأ المكان صخبًا وضحكات، لكنه الآن تحت وطأة إحساس غريب عكَّر صفو لحظته، فاحتسى الشاي في المقهى الشاطئي، ثم استأذن الجمع بالانصراف إلى بيته العاجي..
كان بيته يتلألأ كمنارة على الشاطئ تسترشد بها البواخر، أو مثل جوهرة، بل كان جوهرة حقًا، فقد بني كغيره من بيوت أصحابه الأثرياء الذين كانوا تجارًا استقر بهم المقام في (إيبو)، أو اتخذوها محطة ينطلقون منها وإليها..
دخل سعيد إلى غرفته، دون أن يلقي التحية على زوجته، كانت عيناه ساهيتين فلم يبصرها، فالمرء يبصر بعقله لا بعينيه، وما العينان إلا نافذتان لا أكثر، استلقى على فراشه الوثير، وتدثر بالشراشف الحريرية المطرزة بعناية فائقة، تقلب نحو اليمين ونحو اليسار. دفن رأسه بمخدات محشوة بريش النعام، لكن النوم لم يأت كذلك..
لم يأت حتى هده التعب، لكنه ما إن أسلم للنوم كاهله حتى عاد الكابوس ذاته يتراقص على تلافيف دماغه، يقرع في تجويف رأسه مثل طبل، فيستيقظ مذعورًا.. فتمسح زوجته العرق المتفصد من جبينه وهي تستعيذ من الشيطان الرجيم.. تسأله وهي تعلم بحاله:
- آلحلم ذاته؟
فيهز رأسه بأسى أنْ نعم..
لقد استولى عليه كابوس يحاول ألا يرويه لأحد لكيلا يقع؛ فثمة أسطول يقوده رجل اسمه فاسكو دي جاما يقترب من شاطئ الجزيرة، رجال ببشرة بيضاء وعيون زرقاء ما إن تطأ أقدامهم أرض الجزيرة حتى يستولوا على حمولة السفن ويحرقون السفن بمن فيها، يهدمون البيوت على رؤوس ساكنيها..
تتحول الجزيرة إلى محض خراب؛ القصور والبساتين والمساجد والأسواق، يقتلون الناس ويعلقونهم على أعواد خشبية لتأكلهم الطير، يرمون الجثث في البحر للأسماك.. وتضمحل إيبو التي جهد العرب المسلمون على تحويلها إلى درة الشاطئ الشرقي لإفريقيا.. سيأتي من يقصفها بالمدافع لتضمحل هذه الشامة التي تلوح كعلامة فارقة في خد المحيط الهندي، إلى الأبد..
في تلك الليلة لم ينم سعيد ولا زوجته أيضًا، وحين أخبر سعيد أصدقاءه بالكوابيس التي تراوده لم يناموا، ففي الليلة التالية كان الكابوس ذاته قد أرّق أصحابه، والطبيب الذي عاينه، وإمام المسجد، ورواد المقهى أيضًا، ورويدًا رويدًا صارت الجزيرة برمتها لا تنام..
الكاتب : حسام السفان ..