بلال الحرم
حارات مكة الملتفة، كانت تقوده إلى أقدس البقاع، وهناك اعتاد أن يصعد إلى أعلى المنارة، عبر 63 درجة، ليؤذن للصلاة، تطورت التقنيات، ليظل على ذات النداء الجميل لأكثر من 45 عاماً .. هذا المؤذن ، وهذا الصوت ..
على عجل يرتشف ما تبقى من كأس الشاي الأخضر المحلّى بالعسل ذلك الشراب الذي اعتاد على شربه للحفاظ على نقاوة وعذوبة صوته، ويخرج قاصداً المكان الذي اعتاد الذهاب إليه منذ طفولته، تلفح وجهه نسمات الفجر فيسبح الله ويمضي، تتلقّفه شوارع مكة المكرمة التي لا تبدو كما كانت عليه عندما درجت فيها طفولته، بالتأكيد، لقد تغيرت هذه الشوارع التي طالما قطعها ذاهباً إلى الحرم ليتلقّى تعليمه ضمن حلقاته، قبل أن ينتقل إلى الرياض ليكمل تعليمه ويتخرّج من المعهد الفني ثم يرتقي في مراتب العلم حتى نال شهادة الماجستير في التربية الفنية.
تندفع عجلات الكرسي المدولب الذي يحمل جسده ذي الثمان وسبعين ربيعاً لتدلفَ به إلى الحرم المكي الذي يملأ مكة ضياءً وجلالاً، تستقبله الكعبة المشرّفة بمنظرها المهيب وحولها جموع الطائفين والعاكفين والركّع السجود... ييمِّم شطر مكبرية المسجد الحرام، ليس الأمر غريباً عليه، فهناك قضى ردحاً من عمره يؤدي مهمته السامية...
لا شيء عادي هنا، فالمكان هو الأقدس على وجه البسيطة، والساعة هي فجر خير يوم طلعت عليه الشمس، والنداء وهو الأكثر قرباً لقلوب المسلمين، والصوت هو أحد أقوى وأعذب الأصوات التي صدحت بالأذان وتهادت على آذان المسلمين في هذه البقعة المباركة.
يرتفع صوت شيخ مؤذني الحرم المكي "علي أحمد ملا" عبر مكبرات الصوت المنتشرة في أرجاء الحرم، معلناً أذانَ الفجر من يوم الجمعة، لتتوافدَ جموع المسلمين إلى أرض الحرم من كل فجٍّ عميق ساعين إلى ذكر الله وأداء فريضته وشعيرته الأعظم... صوت يعرفه الجميع هنا وهو الذي ما يزال يصدح في هذه الأرجاء بصوته المميّز وأدائه الحجازي الرفيع منذ أكثر من خمس وأربعين عاماً يوم أطلق أول أذان له وهو في عمر الرابعة عشرة.
يعود شيخ المؤذنين مع الزمن إلى ذكريات لم يكن لها أن تبرح الخيال، وكيف ينسى اليوم الذي أخبره فيه والده بأنه سيصبح مؤذّناً في الحرم عام 1395ه، "كان أعظم خبر سمعته في حياتي" يقول واصفاً تلك اللحظة التي ما تزال محفورة على جدران ذاكرته.
ذكريات أخرى تسوقه إلى ما قبل ذلك، إلى اليوم استطاع فيه صعود مئذنة باب الزيارة في الحرم ويؤدّي أول نداء له للصلاة، لم تكن مكبّرات الصوت موجودة حينها وكانوا يسمونها الصنجة، وهكذا بدأ بالأذان تطوعاً متنقلاً بين منارة باب الزيارة ومنارة باب المحكمة، وما زال حماسه المتّقد حينها والذي كان يدفعه لصعود 63 درجة نحو أعلى المنارة ليؤذن للصلاة تطوعاً ثم ينزل مرّة أخرى، ولا ينسى أبداً يوم تعيينه الرّسمي مؤذّناً ومكبِّراً في أيام الحجِّ والعيدين في المسجد الحرام عام 1975م، ومنذ ذلك اليوم لا يفرط في مهمته الأحب تلك مهما كلّفه ذلك، فأبهر العالم الإسلامي بصوته الشجي وتناقلت تسجيلات أذانه وتكبيراته مسامع العالم الإسلامي، حتى أصبح يعرف في مكة بـ "بلال الحرم".
لا شيء غريب أيضاً فهذا الرجل، الذي ولد في إحدى حارات مكة العتيقة عام 1945م، سليل عائلة اشتهرت بالأذان في الحرم المكي، جده علي عبد الرحمن ملا، وكذلك أبوه وعمه وأبناء عمه وجدّه لأمه كلّهم كانوا مؤذنين في الحرم المكي، أما هو فلم يكن شيخ المؤذنين فحسب بل أصبح واحداً من أهمّ المصادر عن تاريخ الآذان والمكبّرية في الحرم المكي المبارك.