هل يجوز للمسلم الراجبوتي أن يفتخر بأصله؟
ممتطيًا صهوة جواده الذي يدقّ بحوافره أرضًا لا تشبهه في دمائها، هو هنا ينظر إليهم من علٍ، إنه البريطاني المبجّل، ابن الحكومة العسكرية التي ورثت ثروات شركة الهند الشرقية بعد استيلائها على موانئ الهند، فما بدأ بالأمس بين سلطان الهند وبريطانيا كان ظاهره التجارة والتداول بين الشعوب وباطنه احتلال واستعمار أذاق الهند العديد من المرارات عقب حكم إسلامي شامخ امتد لعدة قرون.
هندوس ومسلمون، يعبؤون الذخائر الملوثة بشحوم الخنازير ودهون البقر أيضًا بأمر من الجندي البريطاني، تتسخ به أفواههم وأيديهم، إهانة مقصودة لكليهم، ذل كان لابد أن تعقبه ثورة مهما طال الزمن.
لكن هذا المشهد يدفعنا لنعود قليلًا إلى الوراء، إلى ذلك العهد الذي تعايش فيه المسلمون والهندوس بسلام في حكم إسلامي كان له ثقله في التاريخ، حقبة عاشت فيها الهند أزهى أيامها التي لا تزال آثارها حاضرة، أيام ( نور الدين جيهانكير) و(شاه جيهان ) و(بهادر شاه ظفر) سلاطين المغول المسلمين في الهند، وهؤلاء الثلاثة بالتحديد لهم نسب عريق يمتد لإحدى أقوى القبائل الهندية، إذ إن أمهاتهم من (الراجبوت)، القبيلة التي كان لها نصيب الأسد في تاريخ الهند القديم، دفاعًا وشجاعةً وكفاحًا عن أرض الهند، وكذلك في الحكمة و المعرفة، فمن هم الراجبوت؟ وكيف وجد الإسلام طريقه إليهم؟
من وسط الهند إلى أعلى جبالها الشمالية والغربية، وعلى أطراف باكستان، عاش (الراجبوت) حياتهم كقبيلة مقاتلة من الطراز الأول، فاسم راجبوت يعني بالسنسكيرية (ابن الملك)، ولكنهم أيضًا كان لهم باع طويل في التجارة والزراعة، حتى إن مناطق الراجبوت كانت تعد إحدى أكثر المناطق غنىً، ولذلك فقد جذبت أطماع العديدين إليها، فتفننوا في بناء الحصون والقلاع.
ولأن اتصال الهند بشبه الجزيرة العربية والعرب قديم فقد كان أمرًا اعتياديًا ومستمرًا من قبل ظهور الإسلام وإلى حين قدوم الدولتين الأموية والعباسية اللتين أرسلتا العديد من الحملات الدعوية إلى الهند، عرف الراجبوت الإسلام بعد أن كانوا وثنيين، ولنا أن نقول إنهم اعتنقوا الإسلام حوالي القرن الثاني عشر ميلادي، أي قبل قرن من انتهاء حكم سلالة الراجبوت للهند الذي امتد من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر الميلادي.
"لقد أصبحت أعرف؛ الفلاح الراجبوتي ومالك الأراضي الصغيرة، لا يزال فخوراً بعرقه وأصوله، حتى لو كان قد غير عقيدته واعتنق الإسلام".
(من كتاب اكتشاف الهند لجواهر لال نهرو)
نعود إلى صهوة الجواد؛ فبعد وقوع الهند تحت الاستعمار، أظهر أحد حكام الراجبوت التابع للراج البريطاني اهتمامًا بالإسلام، اهتمامٌ أثار حفيظة من حوله من الهندوس، ولكنه كان قويًا لدرجة أنه عرض التخلي عن الحكم، والتشبث بإسلامه رغم براعته في الحكم ورضى رعيته عنه، كانت هذه واحدة من حوادث متكررة ظلت تحدث باستمرار، ورغم أن صفحات التاريخ التي سجلت كل الممالك الإسلامية التي حكمت الهند تذكر بعضًا من الشجاعة الاستثنائية للراجبوت المسلمين في الحرب؛ دفاعهم عن بلادهم بصورة باسلة، ومكانة المرأة العظيمة لديهم، إلا أنهم ظلوا وحتى اليوم يواجهون تحديًا بطمس هويتهم وتاريخهم كمسلمين راجبوت، إذ يضعهم البعض محل الاختيار، إما أن تكون هندوسيًا من الراجبوت، أو أن تكون مسلمًا وتتخلى عن راجبوتيتك.
فهل يا ترى تتغير دماء الإنسان ويمحى تاريخه بتغييره لعقيدته؟
الكاتب : علا الهادي ..