كانت رؤياه حقيقة
ثمَّةَ شُعُورٌ بالرَّهبةِ والدَّهشةِ والذُّهولِ اعترى سيِّدَ الخَلْقِ حينَ صَحَا مِنْ غَفْوَتِهِ وكان مجهدًا مِنْ أثرِ الضَّمَّةِ التي غطَّه إيَّاها الرَّجلُ إلى صدره، وكانَتْ رؤياهُ حقيقةً، فَخَرَجَ مِنَ الغَارِ يريدُ الهَواءَ، فَفَي لحظاتِ الخوفِ والدَّهشَةِ والذُّهولِ تتسارعُ ضرباتُ القلبِ، فيشعرُ المرءُ بالدُّوارِ وصعوبةِ التَّنَفُّسِ أو باختناقٍ وضيقٍ في الصَّدْرِ، فيصبحُ بحاجةٍ إلى كميَّةٍ أكبرَ مِنَ الهواءِ..
وربَّمَا خرجَ منَ الغارِ في محاولةٍ للعودةِ السَّريعةِ إلى سكنِهِ.. سَكَنِ الجَسَدِ والرُّوحِ.. إلى زوجَتِهِ خديجةَ رضي الله عنها؛ لكنَّنا أحيانًا نتفاجَأ بأنَّ الذي نعتقدُهُ طريقَ الخلاصِ، الطَّريقَ المعبَّدَ يكونُ طريقَ العِثَارِ، فقد اشتدَّت أزمتُه عِندَمَا خرجَ من مُعْتَكَفِهِ، إذْ ناداهُ صوتٌ مِنَ السَّمَاءِ، يقولُ لَهُ: »يا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ، فَرَفَعَ الرَّسولُ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ ينظرُ مَصْدَرَ الصَّوْتِ ومَاهيَّتَهُ، فَإِذَا جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ صَافٍّ قَدَمَيْهِ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ«.
لمْ يَكُنْ مَنْظَرًا هيِّنًا، فَحَاوَلَ الرَّسولُ أنْ يَصْرِفَ نظَرَهُ حتَّى لا يَرَى مَا يَرَى، لكنَّ الصُّورةَ التي تهرَّبَ منْهَا انْطَبَعَتْ فِي قَلْبِهِ وَعَقْلِهِ؛ فَأيْنَ المَفَرُّ وَمَا العينانِ إلا نافذتينِ؟ فَوَقَف ينْظُرُ إلَيْهِ، إلى الذي يُحَاوِلُ التَّهَرُّبَ مِنْهُ، وَقَفَ مُتَسَمِّرًا في مَكَانِهِ فَمَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَجَعَل يصْرِفُ وَجْهه عَنْهُ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ.
ثمَّ التفتَ عنْهُ، التَفَتَ بَعْدَ بُرهةٍ وفي ظنِّه أنَّه يتجنَّبُ رؤيةَ المَلاكِ الوَاقِفِ في السَّماءِ، فإذا به يتحوَّل من حالٍ إلى حالٍ أشدّ مِنْ هَوْلِ مَا رَأى، فَقَدْ ألفَى الرَّجلَ، المَلاكَ، جبريلَ الذي لمْ يكنْ قدْ عَرِفَ مَاهيتَّهُ بعدُ، ألفاه في كلِّ الاتِّجاهاتِ من حولِهِ، وكأنَّمَا السَّماءُ شظايا زجاجٍ تكسَّرَ أو مرايا! فَقَالَ: «فَلاَ أَنْظُرُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا إلاَّ رَأَيْتُهُ كَذَلِكَ».
وظلَّ الرَّسولُ مسمَّرًا مِنْ ذُهولِهِ حتَّى غَابَ الرَّجلُ في ثنايا السَّماءِ، ولمَّا طاوعَتْهُ أعضاؤهُ همَّ طالبًا بيتَهُ وهو يتفصَّدُ عَرَقاً وَيَرْتَجِفُ مِنْ أثرِ البردِ والحُمَّى، «فلمَّا انصرفَ مُنْقَلِبًا إلى بَيْتِهِ جَعَلَ لا يمرُّ عَلى شَجَرٍ وَلَا حَجَرٍ إلَّا سَلَّمَ عليهِ فَرَجِعَ إلى أهْلِهِ مَسْرُوْرًا مُوقِنًا أنَّه قد رأى أمرًا»، لكنَّه وعلى الرَّغم منْ ذلكَ «رجَعَ إلى بيته تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حتَّى دَخَلَ علَى خَدِيجَةَ، فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عنْه الرَّوْعُ، فَقالَ: يا خَدِيجَةُ، ما لي؟ وأَخْبَرَهَا الخَبَرَ، وقالَ: قدْ خَشِيتُ علَى نَفْسِي، فَقالَتْ له: كَلَّا، أبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا؛ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ».
ومَا إنْ هَدَأ رَوْعُ النَّبِيِّ حتَّى خَرَجَتْ خديجةُ تحثُّ الخُطَى لا تلوي على شيءٍ، لكنَّ شيئًا ما يَعْتَمِلُ فِي صَدْرِهَا.. شَيْئًا مِنْ رَهْبَةٍ ممزوجًا بالفرحِ، فقدْ تحوَّلَ قلبُها إلى حَمَامَةٍ تريدُ أنْ تُحَلِّقَ هاربةً مِنْ قَفَصِهَا، تتطلَّع تارةً إلى الأرضِ التي تميدُ بِهَا، وكأنَّمَا سفينةٌ تتخبَّطُهَا أمواجُ البحرِ، وتارةً ترنو إلى السَّماءِ، فقدْ غَدَتِ السَّماءُ غَيْرَ السَّماءِ، فثمَّةَ شهبٌ تُضيءُ الكونَ كلَّه، لكنَّ المنظرَ على غرابَتِهِ لمْ يُثِرْ فِي نفسِهَا الرَّهْبَةَ أو أيَّ مشاعِرَ أخرى، وكأنَّها تبصرُ ولا تبصرُ، فقدْ كانَتْ عيناها تحدِّقانِ بينَمَا كانَ قلبُها وعقلُها مشغولينِ فِي مَا تَلا عليها زوجُها منذُ حينٍ، كانتْ تعلمُ أنَّ مَنْ أتاهُ هو جبريلُ ليس إلَّا، لكنَّها كانَتْ تُريدُ أن تتيقَنَ ليطمئنَّ قلبُها.. فَخَرَجَتْ تطلبُ ورقةَ بنَ نوفلٍ مُسْرِعَةً.
الكاتب : حسام السفان ..