ترى ما الذي يعنيه أن تكون من الكازاخ؟
من العجيب كيف لرحلات كان روادها رحالة روس أن تنتهي لتصير مرجعًا مهمًا لثقافة شعب أرادت حقبة الاتح
+اد السوفيتي طمس هويته! من هنا وهناك، تجتمع قصاصات الورق لتشكل لوحة متكاملة عما كان يجري في الأرض التي سكنها الكازاخ في آسيا الوسطى، كيف كانت هويتهم مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإسلامهم، وكيف صار إسلامهم جزءًا من عاداتهم وتراثهم المتوارث، هي لمحة عن أرض خضراء اشتعلت فيها الحروب واستُلّت فيها السيوف، ولكنها حملت رسالتها في قلبها، من جيل إلى آخر.
الكازاخ هم أبناء الشعوب التركية، تجدهم في أوزباكستان والصين ومنغوليا وروسيا وبالطبع في كازاخستان، كغالب هذه القبائل كان إسلامها منذ عصر المغول (القبيلة الذهبية)، وحين جاء الإسلام حلَّ وكأنه كتاب شارح لسؤال في دواخلهم لطالما جال باحثًا عمن يجيبه.
عام ١٥٣٥م يكتب مبعوث سوفييتي في بلاد الكازاخ إلى سيده في موسكو قائلًا: "يقولون يا جلالتك إن الكازاخ أقوياء، يحرسون برفقة شيوخهم أرض ما وراء النهر " 1
ولعل جزءًا مهمًا من قوّتهم هو ارتباط هويتهم الوثيق بتعاليم الدين الإسلامي، أي إنهم يجدون في الإسلام أسباب بقائهم، انتصارهم واتحادهم، وحتى مستقبلهم القادم، ولا يرون فيما عداه شيئًا. ومن ذلك ترى كيف أنهم كوّنوا نمطًا من أساليب الاحترام المتوارثة، احترام الصغير للكبير، واحترام الكبير للصغير بحسن تربيته، ليس كجزء من العادات المتوارثة فحسب مثلما نرى في معظم شعوب آسيا الوسطى! وإنما هو أمر مرتبط بكون الفرد مؤدّيًا لتعاليم دينه على أكمل وجه أيضًا.
ظلّت الرسائل تُكتب، والتقارير تُرسل وكأنما كان المستعمر يخط تاريخ غريمه بيديه، ربما هذه المرة جاءت رسالة توحي بضرورة أن تقوم موسكو بخطوة أخرى لتجريد المسلمين الكازاخ من هويتهم وأصلهم! إذ لا يكفي الاعتقال والتنكيل والتنصير القسري، ربما حان الوقت لهدم اللغة!
قبل حوالي ألف سنة من الآن كُتبت اللغة الكازاخية لأول مرة، ولعلك لا تدري أن أولى أسطرها خُطّت بالحرف العربي، ومع سيطرة السوفييت على مناطق الكازاخ أُدخل الحرف الأبجدي الروسي (الكيريلي) إليها، ومن بعد عام ١٩٢٠م ظل الكازاخ في معظم المناطق يستخدمون الحروف الكيريلية عدا أقلية الكازاخ في الصين التي احتفظت بالحرف العربي حتى الآن مثلما فعلت أقليات مسلمة صينية كالإيغور، إلا أن توجهًا جديدًا يرغب في الانشقاق عن تاريخ سيطرة السوفييت قام بتبني أبجدية جديدة للّغة الكازاخية، الأبجدية اللاتينية!
ورغم ذلك، تجد صغار الكازاخ يبرعون في تعلُّم اللغة العربية وتعاليم الدين الإسلامي على يد (المُلّا) يرسمون طريقهم على ضوء المثل القائل: "من المهد إلى اللّحد".
يُدرك المسلمون الكازاخ أنه لا بدَّ أن يكون الإسلام هو المرشد لهم في جميع أمور حياتهم، إذ لا طريق آخر سوى العلم و التعلّم.
"في العهد السوفييتي، كان الكازاخستانيون يعيشون في محميات، مثل الهنود الحمر"2
أساليب طمس الهوية والإخراج عن الملّة والتضييق على مسلمي شعب الكازاخ إبان حقبة الاتحاد السوفيتي أثّرت كثيرًا في نفوسهم ولربما حملت البعض بعيدًا عن هويته وثقافته، لكنك حين ترى لوحة تحمل اقتباسًا للرئيس الكازاخستاني السابق (نزارباييف) على جدار في مركز الحج بكازاخستان، مكتوب فيها بالخط العريض: "الإسلام هو أساس الهوية الكازاخستانية!" تدرك أن شعبًا كهذا من الصعب أن يُهزم، وأن مدى عمق الإسلام في قلوبهم لا يمكن أن يمحوه أي استعمار أو قوة، ولعل في ذلك السر الذي يمنح شعبًا ما الحق في أن يظل حاضرًا بقوة في التاريخ مهما عصفت به الرياح من كل اتجاه.
الكاتب : علا الهادي ..